تشير البيانات منذ فترة إلى أن سكان تركيا يعيشون أعمارًا أطول. وقد حدد فريق من علماء الاجتماع عددًا من المناطق في تركيا حيث يتجاوز متوسط العمر المتوقع المعتاد، إذ يعيش سكان بعض القرى الصغيرة حتى منتصف الثمانينيات من أعمارهم، وهو بالتأكيد أعلى من متوسط المملكة المتحدة.
بدأ فريق من أطباء الشيخوخة في جامعة أكدنيز رسم خريطة لتوزيع السكان المتقدمين في السن في تركيا، وسافر في أنحاء البلاد لمقابلة آلاف الأشخاص والتعرف إلى أنماط طعامهم وعملهم وسلوكهم.
كانت النتائج واضحة: أمضى معظم المشاركين الذين عاشوا أطول وقت في الهواء الطلق، ومارسوا الرياضة من خلال العمل في الأرض، واتبعوا نظامًا غذائيًا غنيًا بالخضراوات والأسماك والمكسرات، مع كميات قليلة من اللحوم ومنتجات الألبان.
تؤكد النتائج ما نعرفه بالفعل: تساعد ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي من منطقة البحر الأبيض المتوسط على عيش حياة طويلة وصحية. لكن ماذا يعني ذلك للمغترب العادي الذي يأمل في الانتقال إلى تركيا؟ هل يؤدي تغيير البلد تلقائيًا إلى إطالة العمر؟
نستعرض بعض العوامل التي تعزز طول العمر، ونبحث ما إذا كان لها تأثير في من ينتقلون إلى تركيا.
الأنشطة في الهواء الطلق
تعني زيادة الأيام المشمسة فرصًا أكثر للخروج، ومجالات أوسع للحفاظ على النشاط.
أظهرت دراسة نشرتها هذا الأسبوع الجمعية الأوروبية لأمراض القلب أن المشي لمدة 25 دقيقة يوميًا قد يضيف سبع سنوات إلى عمرك، وأن التمرين نفسه قد يخفض إلى النصف خطر الإصابة بنوبة قلبية لدى الأشخاص في الخمسينيات والستينيات من العمر.
نعرف جميعًا أن متعة المشي تزداد كثيرًا عندما يكون الطقس ملائمًا، ومع 300 يوم مشمس سنويًا في معظم مناطق جنوب تركيا، تتاح فرص أكثر للخروج وتحريك الجسم. فنمط الحياة في تركيا يشجع بطبيعته على قضاء الوقت في الهواء الطلق. وتحيط الغابات والجبال بمعظم المدن، بل إن بعضها يشمل طريق ليقيا، ما يتيح فرصًا عديدة للاستكشاف والاستمتاع بالطبيعة.

النظام الغذائي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط
سمع معظمنا عن فوائد النظام الغذائي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط. فقد أظهرت دراسات متعاقبة أن زيادة استهلاك الخضراوات والفواكه وزيت الزيتون والمكسرات، مع تقليل منتجات الألبان واللحوم، تسهم في خفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية والسرطان.
تُظهر الدراسات العلمية التي تناولت هذا النمط الغذائي أنه قد يطيل متوسط العمر، كما نلاحظ في بلدان منطقة البحر الأبيض المتوسط التي تتمتع بمعدلات جيدة لطول العمر. والأهم من ذلك أنه يحسّن جودة حياة كبار السن فيها.
تُستخدم الفواكه والخضراوات الطازجة على نطاق واسع في تركيا لتحضير وجبات شهية وصحية. أما الوجبات الجاهزة المجمّدة والأطعمة المعلّبة فليست شائعة كثيرًا. كما تتوفر المأكولات البحرية بكثرة وبأسعار مناسبة، ما يجعل إدخال زيوت أوميغا 3 المعززة للصحة إلى النظام الغذائي أسهل.

الرعاية الصحية
هناك سبب وراء تنامي مكانة تركيا وجهةً للسياحة العلاجية: تضم مستشفياتها أفضل المتخصصين في الرعاية الصحية، وتوفر معدات حديثة، والأفضل من ذلك كله أنها بلا قوائم انتظار. وبفضل استثمارات حكومية متواصلة هدفت إلى رفع جودة الخدمات الصحية في البلاد وتعزيز التكنولوجيا، بات قطاع الصحة الخاص في تركيا يُصنّف اليوم ضمن الأفضل عالميًا، إذ يقدم علاجات وخدمات عالية الجودة تدفع أشخاصًا إلى السفر من بلدانهم لتجنب الإجراءات المكلفة.
في تركيا، يضمن نظام التأمين الصحي الإلزامي للمغتربين الحاصلين على تصريح الإقامة أن تتوفر رعاية صحية جيدة للجميع، مقابل تكلفة شهرية تقارب 70 دولارًا أمريكيًا.
من الواضح أن العيش في بلد تتراجع فيه الخدمات الصحية لا يساعد على طول العمر أو جودة الحياة. وتُعد الرعاية الصحية في تركيا عاملًا مهمًا للغاية للمتقاعدين الراغبين في قضاء سنوات تقاعدهم في مكان يوفر خدمات صحية عالية الجودة وبأسعار معقولة.

تنشيط الدماغ
الانتقال إلى بلد آخر حدث كبير في الحياة، يرافقه كثير من التغييرات التي تتطلب قدرًا لا بأس به من التكيّف. ومن الأمور التي يتعين على الوافدين الجدد التكيف معها تعلّم لغة جديدة.
تُظهر دراسات عدة أن القدرة على التحدث بلغة ثانية تساعد إلى حد كبير في الحد من التدهور الإدراكي المرتبط بمرضَي الخرف وألزهايمر المميتين. وأظهرت دراسة أُجريت على 200 مريض بألزهايمر أن من تحدثوا بلغتين أو أكثر تأخر ظهور المرض لديهم أربع أو خمس سنوات.
افترض الباحثون أن التحدث بلغتين ينشئ احتياطيًا معرفيًا أكبر، يشبه خزان وقود السيارة، ويمكنه مساعدة الدماغ على مقاومة التوتر.
والخبر السار لمن لا يملكون موهبة فطرية في تعلم اللغات هو أن تعلم القليل منها قد يعود بفائدة كبيرة. لذا، فإن تعلم كيفية السؤال عن الاتجاهات أو طلب وجبة باللغة التركية ليس مفيدًا في الحياة اليومية فحسب، بل قد يطيل عمرك أيضًا.

وجود هدف في الحياة
أظهرت دراسة أجرتها جامعة كندية أن تحديد وجهة في الحياة ووضع أهداف لما تريد تحقيقه يساعدان على إطالة العمر، بصرف النظر عن توقيت ذلك.
وأظهرت الدراسة التي شملت 569 شخصًا أن المشاركين الذين لم يكن لحياتهم هدف واضح كانوا أكثر عرضة للوفاة مبكرًا ممن وضعوا أهدافًا وأجروا تغييرات فاعلة.
يحلم كثيرون بإحداث تغيير في حياتهم والانتقال إلى بلد آخر، لكن قلة منا تخطو هذه الخطوة. فالتغيير أمر إيجابي؛ إذ ينشّط أدمغتنا ويدفعنا إلى سلوك مسارات جديدة، وغالبًا غير متوقعة.
قد يضمن لك تحقيق هدفك بالانتقال إلى الخارج حياةً لا تكون عامرة بالإنجازات فحسب، بل طويلة أيضًا.
