By:
Nezir Can
استعدوا للوقوع في سحر طرابزون في تركيا. وباعتبارها مدينة رئيسية في منطقة البحر الأسود، تتألق طرابزون على مختلف الأصعدة الثقافية والتاريخية والجمالية. وبفضل موقعها الذي كان ذا أهمية كبيرة على طريق الحرير القديم بين أوروبا وآسيا في العصور الحديثة، اعتاد الفينيسيون والجنويون واليونانيون والعثمانيون والروس زيارتها.
تُعدّ منطقة وسط مدينة طرابزون اليوم وجهة حيوية وأساسية في تركيا، بفضل النشاط الاقتصادي والتجاري الذي يمر عبر مينائها. كما تتميز بمكانتها المرموقة بوصفها موطن فريق كرة القدم البارز طرابزون سبور، ومسقط رأس السلطان العثماني سليمان القانوني على ساحل البحر الأسود.
تضم طرابزون أيضاً العديد من الوجهات الشهيرة والعجائب الطبيعية والفرص المميزة لالتقاط الصور، إلى جانب تراثها الغني والمساحات الخضراء الشاسعة. وقد أسهمت هذه المقومات في نيل المدينة لقب «أنظف مدينة» في تركيا، كما تجذب اليوم السياح الباحثين عن عطلات تنعش صحتهم.
إضافة إلى ذلك، تزايد إقبال مواطني دول الشرق الأوسط على الاستثمار العقاري خلال السنوات الخمس الماضية. لذا، لنلقِ نظرة على وسط المدينة والمناطق المحيطة بها ومكانتها البارزة في منطقة البحر الأسود في تركيا.

عُرفت المدينة في البداية باسم ترابيزوس، وأسّسها مستوطنون يونانيون من بونطس في القرن الثامن قبل الميلاد. وقد جعل موقع طرابزون في شمال شرق تركيا على ساحل البحر الأسود منها مركزاً أساسياً للتجارة بين الأناضول والقوقاز. لكن المدينة بلغت أوج ازدهارها في عهد الإمبراطورية البيزنطية.
ثم أصبحت عام 1204 عاصمة إمبراطورية طرابزون، وهي دولة انفصلت عن الإمبراطورية البيزنطية. وازدهرت الإمبراطورية في مجالات الفن والثقافة والتجارة، إذ جعل موقعها على البحر الأسود الربط بين الشرق والغرب عبر طريق الحرير القديم أمراً بالغ الأهمية. وأتاح هذا الطريق التجاري لطرابزون تحقيق ازدهار اقتصادي، مع مرور بضائع قادمة من أماكن بعيدة مثل الصين عبر أسواقها.
في القرن الخامس عشر، خضعت طرابزون للحكم العثماني. وخلال تلك الفترة، واصلت أداء دورها ميناءً تجارياً رئيسياً وملتقى للثقافات. وُلد السلطان العثماني محمد الثاني، المعروف أيضاً باسم محمد الفاتح، في طرابزون بتركيا. فقد وُلد في قلعة طرابزون في 30 مارس 1432، وكانت المدينة آنذاك تابعة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية).
يشتهر السلطان محمد الثاني بفتحه العثماني للقسطنطينية (اسطنبول حالياً) عام 1453، وهو الحدث الذي مثّل نهاية الحكم البيزنطي وبداية الهيمنة العثمانية. وتعكس مسقط رأسه في طرابزون نشأته قبل أن يصبح حاكماً عثمانياً ذائع الصيت.
يشكّل الاحتلال الروسي لطرابزون بعد الحرب العالمية الأولى حدثاً مهماً في التاريخ التركي. فخلال الحرب العالمية الأولى، واجهت الإمبراطورية العثمانية قوات الحلفاء على جبهات متعددة، من بينها الجبهة الشرقية. وكانت طرابزون، بموقعها الاستراتيجي على ساحل البحر الأسود، محط اهتمام قوى مختلفة سعت إلى تأمين مواقعها.
شنّت الإمبراطورية الروسية هجوماً عام 1916، شمل السيطرة على طرابزون في أبريل من ذلك العام. وشهدت مدينة طرابزون خلال هذه الفترة تغييرات إدارية كبيرة، إذ أشرفت السلطات الروسية على جوانب مختلفة من الحياة اليومية.
أثّرت الثورة الروسية عام 1917 والاضطرابات التي أعقبتها تأثيراً كبيراً في وجود الروس في طرابزون. وانسحبت القوات الروسية في نهاية المطاف من مدينة طرابزون عام 1918، جزئياً بسبب تدهور الأوضاع في بلادها وتبدّل التحالفات خلال الحرب العالمية الأولى. ورغم قِصر فترة الاحتلال الروسي لطرابزون، فقد ترك أثراً دائماً.
يمكن مشاهدة منازل ومبانٍ ذات طراز معماري روسي في الحي القديم. كذلك، عندما كان الاتحاد السوفيتي لا يزال قائماً، اعتاد الروس عبور الحدود إلى طرابزون فيما عُرف باسم «سياحة الحقائب». وكانوا يتوافدون في رحلات ليوم واحد لشراء سلع مثل الشوكولاتة والجلود بأسعار أقل بكثير.
تزخر طرابزون بالمعالم التي يمكن استكشافها خلال عطلة تمتد أسبوعاً، أو زيارتها مراراً إذا كنت تملك عقاراً هناك. وأكثرها شهرة هو دير سوميلا المذهل. يقع هذا الدير الأرثوذكسي اليوناني السابق على ارتفاع نحو 4,000 قدم فوق وادي ألتينديري في سلسلة جبال بونتيك، وقد أصبح وجهة سياحية بارزة لما يقدمه من مناظر خلابة وأهمية ثقافية. وتقول الأسطورة إن راهبين أسّسا دير سوميلا بعد العثور على أيقونة «مادونا السوداء»؛ وهي تمثال من عصر لاحق للسيدة مريم العذراء يُعتقد أن الرسول لوقا رسمه.
كان الدير على مدى أجيال مركزاً للعبادة والتأمل والدراسة لدى الرهبان. وحتى في ظل الحكم العثماني، سُمح لهم بمواصلة الوعظ. هُجر دير سوميلا عام 1923 إثر تبادل السكان بين اليونان وتركيا، ويُقال إن أيقونة مادونا السوداء نُقلت خفية. لكن الدير رُمم، وأصبح اليوم أبرز معالم طرابزون السياحية.
يضم دير سوميلا أماكن إقامة وكنيسة تزدان بلوحات جدارية مبهرة تجسد مشاهد من الكتاب المقدس. وينسجم طرازه المعماري بانسيابية مع الطبيعة المحيطة. فمبانيه المنحوتة في واجهات الصخور تضم لوحات جدارية دقيقة التفاصيل ومصليات وكنيسة رئيسية أخاذة. وعلى الرغم من تعرض هذه الأعمال الفنية الرقيقة للعوامل الطبيعية على مدى قرون، فإنها ما زالت تحتفظ بجزء كبير من ألوانها الأصلية الزاهية. ومن أبرز ما يميز سوميلا موقعه؛ إذ يتربع الدير بين منحدرات منتزه ألتينديري الوطني، مطلاً على مناظر خلابة للغابات ونهر ألتينديري في الأسفل.

يكتسب منزل أتاتورك في طرابزون، العائد إلى القرن التاسع عشر والمعروف أيضاً باسم أتاتورك كوشكو (جناح أتاتورك)، أهمية كبيرة في تاريخ تركيا الحديث. وقد بُني المنزل في الأصل لتاجر محلي ثري، ثم أصبح مقراً مفضلاً لمصطفى كمال أتاتورك خلال زياراته إلى طرابزون. واكتسبت تلك الزيارات أهمية تاريخية كبيرة، إذ عكست التزامه بتعزيز التحديث والإصلاح في مختلف مناطق تركيا.
تكريماً للرابطة التي جمعت مصطفى كمال بهذا المنزل، حُوّل إلى متحف وحُوفظ عليه بعناية فائقة. وقد جُهزت الغرف لتعيد أجواء زيارات أتاتورك، بما فيها من مقتنيات شخصية وأثاث وتذكارات تعود إلى تلك الحقبة.
يجسد الطراز المعماري للمنزل ملامح القصور الخشبية العائدة إلى العهد العثماني، ويبرز حِرفية دقيقة التفاصيل. كما تجعل الحدائق المحيطة بالجناح منه مكاناً مريحاً للتجول والاستكشاف. ويسلط منزل أتاتورك في طرابزون الضوء على عميق الاحترام والتقدير اللذين يكنّهما الشعب التركي لمصطفى كمال أتاتورك، الذي ما زالت قيادته ورؤيته تسهمان في تشكيل ملامح الوطن.
تعود هذه الكنيسة البيزنطية إلى القرن الثالث عشر، وقد حُوّلت إلى مسجد، ثم إلى متحف، ثم عادت مسجدًا. وهي تختلف عن آيا صوفيا في اسطنبول؛ إذ إنها أصغر بكثير، لكنها تستحق الزيارة.
تُعد هذه الحديقة الصغيرة لمحة عن جمال طرابزون الطبيعي، وتوفر إطلالات بانورامية. تقع بوزتبه على بُعد ثلاثة كيلومترات من وسط المدينة، وتضم أربعة ينابيع مقدسة، من بينها ينبوع التنين، الذي تقول الأسطورة إن ألكسيوس الثاني الطرابزوني قتل عنده تنينًا.
لا تزال البحيرة الكبيرة والوادي الغابي المحيط بها وجهة سياحية طبيعية محببة، على بُعد 100 كيلومتر من وسط مدينة طرابزون. تقع البحيرة ضمن منطقة تشايكارا، وتشتهر بجمالها الطبيعي وسط الغابات الجبلية الممتدة حولها. سواء اخترت زيارتها في رحلة ليوم واحد أو المبيت فيها، ستأسرك أجواؤها.
يشتهر المطبخ المحلي بطبق الهامسي، أو الأنشوفة. يُقدَّم الهامسي مع الأرز أو الخبز، ويُستخدم حتى في إعداد البقلاوة. ولأصحاب الذوق المغامر، ما رأيكم في تجربة فوندو موهلاما المحضّر من الجبن والزبدة ودقيق الذرة؟ ومن الصعب أيضًا رفض حبة أو اثنتين من البندق (فِندِك بالتركية)، إذ يأتي 99 في المئة من إنتاج تركيا من منطقة طرابزون. يضم وسط المدينة الكثير من المطاعم، ويستحق الأمر الاطلاع على قوائمها جميعًا. أما أثناء تنقلكم في المنطقة، فتوقفوا عند مطاعم الجبال على جوانب الطرق لتجربة مأكولات طرابزون الأصيلة.
يعود تاريخ قلعة طرابزون، المعروفة أيضًا باسم طرابزون كاليزي أو قلعة طرابزونتية، إلى العصر الهلنستي. وقد جعل موقعها على نتوء صخري مطل على البحر الأسود منها حصنًا دفاعيًا مثاليًا على مر التاريخ. بناها البيزنطيون في البداية، وأدت دورًا محوريًا في حماية وسط مدينة طرابزون من الغزاة على اختلافهم.
تجمع القلعة بين طرز معمارية متنوعة تأثرت بالعصور البيزنطية والجنوية والعثمانية. وتعكس أسوارها الشامخة وأبراجها الموزعة بعناية أهميتها العسكرية. ويمكنكم في داخلها استكشاف بقايا الكنائس والصهاريج وأماكن السكن.
يضم وسط مدينة طرابزون العديد من المعالم الأخرى، منها التسوق في أوزون سوكاك، ومنطقة البازار في الأزقة الضيقة المحيطة بساحة وسط المدينة، وأربعة مساجد محلية، مثل مسجد الفاتح ومسجد إسكندر باشا. ويمكن لعشاق كرة القدم زيارة ملعب طرابزون سبور أكيازي المهيب، معقل فريق المدينة الأول.

تقع طرابزون على ساحل البحر الأسود، لذا توجد فيها شواطئ، لكن معظمها حصوي. وتختلف جغرافيتها كثيرًا عن جغرافية منطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة بحر إيجة في تركيا. ويزور معظم السياح المنطقة لما تزخر به من أهمية ثقافية وتاريخية، لا بغرض السياحة الشاطئية.
يقع وسط مدينة ريزه بمحاذاة طرابزون، وإذا كان لديكم متسع من الوقت، فستستحق المدينة زيارةً لاستكشاف روائعها، سواء بالحافلة أو في رحلة قصيرة بالسيارة. تشتهر ريزه بمناظرها الطبيعية الخلابة، بين الجبال الشاهقة المغطاة بالغابات والبحر الأسود. كما ينفرد الإقليم بمناخ محلي خاص، يتميز بغزارة الأمطار التي تمنح سفوحه لونها الأخضر الزمردي.
وتُعرف ريزه أيضًا بأنها «عاصمة الشاي» في تركيا. تكسو مزارع الشاي المدرّجة سفوح التلال، حيث يُزرع شاي ريزه الشهير عالميًا. ويمكنك التجول بين هذه المزارع الخضراء، ومشاهدة عملية قطف الشاي، وتذوق الشاي الطازج. وتضم الولاية مجموعات سكانية متنوعة، منها مجتمعا اللاز والهمشين، ويسهم كل منهما في إثراء ثقافة ريزه.
تطل قلعة ريزه على المدينة، وتُعد معلمًا تاريخيًا بارزًا. وعلى الرغم من أنها أصبحت أطلالًا، فإنها توفر إطلالات بانورامية تجعلها وجهة محببة للزوار الباحثين عن التاريخ والجمال. أما عشاق الطبيعة، فسيجدون في هضبة آيدر مكانًا فريدًا. تقع الهضبة وسط غابات وارفة، وتوفر مسارات للمشي وينابيع حارة وفرصًا للاسترخاء في أحضان الطبيعة.
تشتهر منطقة البحر الأسود في تركيا، المعروفة بالتركية باسم كارادينيز، بثرائها الثقافي وسحرها الفريد. وتضم المنطقة أيضًا جبال بونتيك، التي تمتد بمحاذاة الساحل وتوفر خلفيات طبيعية خلابة. وتتيح هذه الجبال فرصًا للمشي والتنزه، إلى جانب ممارسة الرياضات الشتوية في بعض المناطق.
يشكل صيد الأسماك ركيزة أساسية في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأسود. ويشتهر البحر الأسود بتنوع أنواع الأسماك فيه، كما تحتل المأكولات البحرية مكانة مهمة في المطابخ المحلية. تجمع منطقة البحر الأسود في تركيا بين جمال الطبيعة والتنوع الثقافي والثراء التاريخي. سواء استكشفت مناظرها الخلابة، أو تذوقت أشهى أطباقها، أو تعرّفت إلى تقاليدها النابضة بالحياة، ستجد فيها ما يناسب كل مسافر. اكتشف المزيد.
إذا كنت ترغب في شراء عقار في الخارج، وترى أن تركيا قد تكون وجهتك المثالية، فتواصل معنا اليوم وتحدث إلى أحد وكلائنا. نحن جاهزون للإجابة عن أسئلتك واستعراض مجموعة متنوعة من المنازل في مناطق مختلفة. أو يمكنك الاطلاع على مجموعتنا من المنازل المعروضة للبيع هنا، واستخدام بيانات التواصل لمعرفة المزيد. وقد ترغب أيضًا في قراءة مدونتنا التي تتناول تسع مدن بارزة أخرى في تركيا.
