
تقع اسطنبول، أكبر مدن تركيا من حيث عدد السكان، وتتمتع بمشهد ثقافي واقتصادي ثري، في موقع محفوف بالمخاطر على عدة صدوع نشطة، من بينها صدع شمال الأناضول (NAF). وتواجه المدينة خطراً كبيراً بالتعرض لزلزال مدمّر، وهو تهديد تزداد الحاجة الملحّة إلى التعامل معه بعد الزلزالين اللذين ضربا جنوب شرق البلاد في وقت سابق من هذا العام، وأوديا بحياة أكثر من 50,000 شخص. وإدراكاً لهذه الضرورة، بادرت الحكومة التركية، بالتعاون مع وزارة البيئة والتوسع الحضري وتغير المناخ، إلى تنفيذ مجموعة من التدابير الهادفة إلى الاستعداد للزلازل. يتناول هذا المقال النهج متعدد الجوانب الذي تتبعه تركيا للاستعداد لزلزال وشيك واسع النطاق في اسطنبول، بدءاً من الأطر التشريعية ووصولاً إلى الحوافز المالية.
أطلقت الحكومة التركية خططاً من المقرر عرضها على البرلمان. وتركز هذه الخطط على تعزيز سلامة المباني، وتحويل المناطق المعرّضة للخطر، وتقديم الدعم لأصحاب المنازل. وتهدف التشريعات إلى تحديد أحياء معيّنة معرّضة للخطر رسمياً، مثل باغجلار، وباهتشلي إيفلر، وبيوغلو، وبيوك تشكمجه، وأيوب، وغازي عثمان باشا، وكارتال، وكاغيتهانه، وسنجق تبه، تمهيداً للتجديد الحضري فيها. وتقدم القوانين حلاً شاملاً لقضية معقدة، يوازن بين الحاجة إلى التحول السريع وحقوق واحتياجات مالكي العقارات في اسطنبول. ومن شأن إقرار هذا القانون تسريع عملية التحول الحضري في اسطنبول، وتعزيز قدرتها على مقاومة الزلازل.
يُعد التمويل عنصراً أساسياً في أي مشروع للتحول الحضري واسع النطاق. وإدراكاً للأعباء المالية الناجمة عن هدم المباني وإعادة بنائها، تدرس الحكومة توفير خيارات سداد طويلة الأجل بفوائد منخفضة لأصحاب المنازل المتضررة. وفي أحياء مثل باغجلار، حيث يُستهدف بدء تحويل 4,500 منزل خلال عام واحد، تكتسب هذه الآليات المالية أهمية بالغة. ومن المتوقع أيضاً زيادة المساعدات الإيجارية لتشجيع المزيد من أعمال تجديد المباني. وتهدف هذه الآليات المالية إلى جعل عملية التحول أيسر على مالكي العقارات، مع ضمان تعزيز قدرة المدينة على مقاومة النشاط الزلزالي.

جرى تحديد أحياء مثل باغجلار، وباهتشلي إيفلر، وبيوغلو، وغيرها الكثير، لتجديدها حضرياً. ففي أفجيلار، جرى تجديد 1,967 مبنى، وفي باهتشلي إيفلر، جرى تجديد نحو 35% من المباني المشيدة قبل عام 1999. ولا يُطبّق نهج موحّد على جميع المناطق؛ إذ تختلف التدابير من حي إلى آخر تبعاً للتحديات الخاصة بكل منطقة. فعلى سبيل المثال، في باشاك شهير، انخفضت نسبة المباني الخطرة من 50% إلى 13% بفضل أنشطة التحول الحضري الجارية. ويتيح هذا النهج الموجّه لكل حي على حدة تخصيص الموارد والتخطيط بفاعلية أكبر، بما يضمن حصول المناطق الأكثر عرضة للخطر على الاهتمام الذي تحتاج إليه.
تمثل مشكلات تقسيم المناطق عائقًا كبيرًا أمام عملية التحول الحضري. ففي بعض المناطق، يقع ما يقارب 10% من المباني ضمن مناطق تخضع لقيود تنظيمية، ما يجعل استبدالها بمبانٍ مقاومة للزلازل أكثر صعوبة. وفي هذه المناطق، تهدف التشريعات الجديدة إلى توفير وحدات سكنية في مناطق مخصصة مقابل رسوم محددة. ولا يقتصر هذا النهج على معالجة المخاوف العاجلة المتعلقة بالسلامة، بل يسهم أيضًا في التخطيط الحضري والتنمية على المدى الطويل في اسطنبول.
تنطوي آلية اتخاذ القرار في التحول الحضري على تعقيدات كثيرة، إذ تتطلب في أحيان كثيرة موافقة عدد من مالكي العقارات. ولتسريع العملية، يجري النظر في اعتماد قاعدة أغلبية الثلثين لاتخاذ القرارات في كل مرحلة منها. ويهدف هذا النهج إلى تحقيق التوازن بين تسريع التحول الحضري واحترام حقوق الملكية الفردية، مع إتاحة طريقة ديمقراطية وفعالة لاتخاذ قرارات جماعية تصب في مصلحة المجتمع الأوسع.

اسطنبول مدينة عريقة غنية بالتاريخ، لذا يجب أن تراعي أي جهود للتحول إرثها الثقافي الثري. وتؤكد التشريعات المقترحة ضرورة الموازنة بين التحول الحضري والحفاظ على المعالم التاريخية والثقافية. كما ستُحوّل المباني المهدمة في المناطق الخاضعة للقيود إلى مساحات خضراء وحدائق، بما يسهم في استدامة المدينة والحد من الازدحام. ويضمن هذا التركيز المزدوج أن تصبح اسطنبول مكانًا أكثر أمانًا للعيش، ومدينة أكثر استدامة وملاءمة للحياة.
لضمان التنفيذ الفعال، من المقرر إنشاء وحدة متخصصة بالتحول الحضري ضمن وزارة البيئة والتوسع العمراني وتغير المناخ. وستشرف هذه الوحدة على جوانب مختلفة من عملية التحول، بدءًا من إنتاج الأراضي ووصولًا إلى الأنشطة المدرة للدخل. كما ستُنشأ عدة مديريات عامة تابعة لها، تتولى كل منها مسؤولية جانب مختلف من عملية التحول، لضمان سيرها بأكبر قدر ممكن من السلاسة والكفاءة.
يتخذ نهج اسطنبول الاستباقي للاستعداد للزلازل مسارات متعددة، تشمل إجراءات تشريعية وحوافز مالية وتحولًا حضريًا موجّهًا. ومن خلال التصدي للتحديات المالية واللوجستية والثقافية مباشرة، تسعى المدينة إلى تهيئة بيئة أكثر أمانًا وقدرة على الصمود لسكانها. ورغم التهديد الكبير الذي يشكله احتمال وقوع زلزال قوي، تقدم هذه الجهود الشاملة نموذجًا يمكن للمدن الواقعة في مناطق زلزالية مماثلة الاستفادة منه للاستعداد للكوارث الطبيعية.
