
في الانتخابات المحلية الأخيرة، حقق حزب المعارضة، حزب الشعب الجمهوري (CHP)، فوزًا مدويًا، إذ فاز في 35 مدينة من أصل 81. ويشكّل هذا الانتصار الساحق محطة تاريخية في سجلات السياسة التركية.
أصبحت الأسباب المتعددة الكامنة وراء هذا الاكتساح الانتخابي موضع نقاش مستفيض بين المعلقين والمحللين، وسأترك الخوض في هذا النقاش لأهل الاختصاص.
لكن ما يستحق الاهتمام هو تقبّل رجب طيب إردوغان للهزيمة بروح رياضية، بعد 22 عامًا في السلطة مع حزب العدالة والتنمية، تخللتها انتصارات انتخابية متتالية.
في أعقاب انتصارات انتخابية سابقة، وجّه منتقدون من داخل البلاد وخارجها إلى إردوغان وحزبه اتهامات متكررة بالاستبداد والتلاعب بالانتخابات. وتراوحت المزاعم بين ادعاء خيالي بتدخل القطط في شبكة الكهرباء، واتهامات بالتلاعب بأصوات أعداد كبيرة من الناخبين، وصولًا إلى مشهد قاتم عن تصويت الموتى.
لكن، وعلى خلاف ما جرى في الماضي، لم تشهد مرحلة ما بعد هذه النكسة الانتخابية أيًا من تلك الاتهامات بشكل لافت.
بل كان ما جرى دليلًا على حيوية الديمقراطية التركية ونزاهتها. فقد مارس الناخبون حقهم الانتخابي بحرية، من دون إكراه أو خداع. وأكد ذلك استقلالية الناخبين وحسن تقديرهم، ودحض فكرة أنهم مجرد قطيع يُساق إلى صناديق الاقتراع بلا تفكير.
وكان رد إردوغان على هذه النتيجة الانتخابية جديرًا بالثناء أيضًا، إذ أقر بنضج الديمقراطية التركية. وشدد على أهمية الانتخابات بوصفها حجر الأساس للحكم الديمقراطي، حيث تُعبّر الأمة عن إرادتها الجماعية من دون ضغط أو تلاعب.
كما أضفت الروح النبيلة التي تحلى بها الفائزون، بقيادة أوزغور أوزيل، مزيدًا من الرقي على هذا المشهد الانتخابي. فعلى الرغم من نجاحهم الساحق، تجنبوا مظاهر التباهي بالنصر، وشددوا على الوحدة والشمول. ويعكس موقفهم النبيل التزامًا بتماسك الأمة، ويتجاوز الحدود الضيقة للسياسة الحزبية.
خلاصة القول، إن الانتخابات المحلية الأخيرة تمثل دليلًا على صمود الديمقراطية التركية ونضجها. وهي تؤكد أن الانتخابات في الديمقراطية النابضة بالحياة ليست مجرد منافسة على السلطة، بل تعبير عن الإرادة الجماعية، حيث يُسمع صدى كل صوت ويكون لكل صوت انتخابي وزنه. إنه حقًا انتصار للديمقراطية في تركيا.
بعد الانتخابات المحلية، يصبح مسار الاقتصاد محورًا رئيسيًا للاهتمام. ومن المتوقع أن تتواصل المعركة ضد التضخم، بالتوازي مع إعادة تقييم الإنفاق المالي. وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من الضغوط التضخمية وتعزيز جاذبية البلاد للمستثمرين الأجانب.
وتشير التوقعات إلى تدفق استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة إجمالية تبلغ 18 مليار دولار إلى البلاد هذا العام، بعد الانتخابات التي أظهرت بقوة رسوخ المبادئ الديمقراطية التركية. وبالتالي، قد يعني غياب الانتخابات في تركيا خلال السنوات الـ 4.5 المقبلة استمرار النمو الاقتصادي.
بقلم نذير جان
