By:
Nezir Can
تضاهي أهمية منطقة بيوغلو في اسطنبول أهمية منطقة السلطان أحمد القديمة ذات الطابع التاريخي. فبينما تتناول معظم مجلات السفر مواقع اسطنبول المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، مثل المسجد الأزرق وآيا صوفيا، يغفل بعضها عن ذكر بيوغلو. لكن إذا كنت تخطط لشراء منزل أو ترغب حقاً في التعرف إلى اسطنبول كما يعرفها أهلها، فلا بد أن تكون بيوغلو ضمن قائمتك. فمع تعداد سكاني يبلغ 15 مليون نسمة، من الطبيعي أن تضم اسطنبول ما هو أكثر من المناطق السياحية. وبينما تشتهر بيوغلو بالحياة الليلية والتسوق، تنتظرك فيها أيضاً أجواء غنية بالحنين إلى الماضي وأيام الزمن الجميل. كما تزدهر فيها الثقافة والفنون بأناقة ورقي. كل ما عليك هو أن تعرف أين تبحث.
تقع بيوغلو في الجانب الأوروبي من اسطنبول، مقابل منطقة السلطان أحمد، على الضفة الأخرى من القرن الذهبي. وتضم المنطقة أحياء كاراكوي، وجيهانغير، وتوفخانه، وشيشانه، وترلاباشي، وتبه باشي، وقاسم باشا، ودولاب ديره. وقد تسمع أيضاً باسم تقسيم، الذي يشير إلى المنطقة الواقعة عند الطرف العلوي من شارع الاستقلال، حيث يقف نصب تقسيم الشهير للاستقلال.

على الرغم من أن تاريخ اسطنبول يعود إلى العهد البيزنطي، تشتهر بيوغلو بشكل أساسي بتأثيرها في القرن 19. فقد افتتحت السفارات الأجنبية مقارها في شارع غراند رو دو بيرا، المعروف اليوم باسم شارع الاستقلال. كما استقر هنا التجار الأوروبيون المعروفون باسم المشرقيين. وبفضل صلاتهم العالمية، ازدهرت بيرا بأساليب الحياة الحديثة، وكانت أول منطقة تصلها خطوط الهاتف والكهرباء. وبدأت فيها أجواء الترفيه والحياة الاجتماعية الليلية، مع افتتاح المقاهي والمسارح أبوابها أمام نخبة المجتمع. وكان تأثير تلك الحقبة كبيراً إلى حد دفع السلطان العثماني عبد المجيد إلى هجر قصر توبكابي الشهير وبناء قصر دولما بهجة بالقرب منه. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تغير اسم بيرا إلى بيوغلو.
للأسف، شهدت هذه المرحلة فقدان بيوغلو لمكانتها المرموقة. فقد غادرت الجاليات اليونانية، وأسهمت المشكلات السياسية في تراجع جاذبية المنطقة. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين (1980–1989)، لم يبقَ من مجد بيوغلو السابق سوى ظلاله، لكن لحسن الحظ استثمر المجلس البلدي فيها بشكل كبير مع مطلع هذا القرن. واليوم، تزدهر بيوغلو بالفنون والثقافة والطعام والحياة الليلية والترفيه، مع احتفاظها بأجواء الحنين إلى ما يزيد على 100 عام مضت.

رغم ما تخبئه أزقة بيوغلو من أماكن ساحرة، يظل شارع الاستقلال الأبرز بينها. يمتد الشارع لمسافة 1 ميل، ويشتهر على وجه الخصوص بالترام الأحمر الذي يسير صعوداً ونزولاً. ستجد على جانبيه كل ما يخطر ببالك، من حانات ومطاعم ومحال حلويات ومقاهٍ ومطاعم وجبات سريعة ومتاجر لعلامات تجارية عالمية، فيما يعبره ملايين الأشخاص يومياً. لكن لا تظن أن الأمر يقتصر على الترفيه والمتعة؛ تأمل العمارة الكلاسيكية الجديدة للمباني الأقدم لتستحضر أجواء تلك الأيام الخوالي. ومن أبرز المعالم التي تستحق الزيارة في شارع الاستقلال...
ممر تشيتشك: كان هذا المبنى، الذي يعود إلى القرن 19، مسرحاً في الأصل، ثم تحول إلى حانة للنبيذ. وخلال الثورة الروسية، حين توافد الروس إلى اسطنبول، افتتحت النساء متاجر هنا وبِعن الزهور، ومن هنا جاءت التسمية الحالية، ممر الزهور. ويضم المبنى اليوم، بتصميمه على شكل حرف L، حانات ومطاعم؛ لكن لا تنسَ أن ترفع نظرك أثناء الزيارة لتشاهد صوراً قديمة لأشخاص في الطابق العلوي.
كنيسة القديس أنطونيوس البادواني: لا تزال هذه الكنيسة مكاناً للعبادة، لذا يرجى مراعاة حرمتها عند زيارتها؛ فقد وعظ فيها البابا يوحنا الثالث والعشرون على مدى عشر سنوات. شُيّدت عند مطلع القرن 20، وتتميز بعمارة قوطية جديدة مستوحاة من الطراز الفينيسي، وتقع إلى الخلف من شارع الاستقلال في نهاية فناء. وهي أكبر كنيسة كاثوليكية رومانية في اسطنبول، وتحظى بأهمية بالغة لدى السكان المحليين غير المسلمين.
متحف المولوية: يقع هذا المتحف عند الطرف المقابل من شارع الاستقلال، وكان في السابق مقراً لسكن الدراويش المولوية. رآهم كثيرون وظنوا أنهم مجرد عامل جذب سياحي، لكنهم يؤدون طقس السماع، حيث يدورون في حلقات سعياً إلى الاتحاد بالله. وهذه طائفة من الإسلام اشتهر بها الشاعر رومي.
عمارة ميسير: يشتهر هذا المبنى التاريخي بعمارة استثنائية يعود تاريخها إلى 1910. وعلى مر السنين، استضاف المبنى شخصيات تركية شهيرة، أما اليوم فيشتهر باحتضانه معرضاً فنياً. ومن المعارض الفنية الأخرى في شارع الاستقلال: يابي كريدي، وبيوغلو سانات، وأكبانك، وSALT، وميشر.
مدام توسو: لست بحاجة إلى السفر إلى لندن لزيارة متحف مدام توسو الشهير، إذ توجد له نسخة في اسطنبول. ومن أبرز الشخصيات المعروضة براد بيت وجوليا روبرتس. أما بين الشخصيات التاريخية، فابحث عن محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية عام 1453 وغيّر مجرى التاريخ إلى الأبد.
ثانوية غلطة: افتتحت هذه المدرسة أبوابها في القرن 15، وهي من أعرق المؤسسات التعليمية. ويمكن تشبيهها بمدرسة إيتون في المملكة المتحدة. وقد درس فيها العديد من الوزراء والكتّاب والشخصيات المؤثرة في الثقافة التركية. ورغم أنها غير مفتوحة للزيارة العامة، فمن المرجح أن تمر ببواباتها.

يقع فندق بيرا بالاس في شارع مشروتيت جاديسي بحي تبه باشي، على بُعد بضعة شوارع من شارع الاستقلال، وتاريخه جدير بالاهتمام. افتتح الفندق أبوابه للمرة الأولى عام 1892، وظل قائماً خلال حكم ثلاثة سلاطين عثمانيين، وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وتأسيس تركيا الحديثة. شُيّد الفندق في الأصل لاستضافة ركاب قطار الشرق السريع، ومن أشهر نزلائه مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، وزا زا غابور وإرنست همنغواي. كما كتبت أغاثا كريستي روايتها الشهيرة في الغرفة 411، حيث أقامت عندما اختفت في ظروف غامضة لمدة أحد عشر يوماً. ورغم ارتفاع تكلفة المبيت فيه، يضم الفندق حانة يمكنك التوقف فيها للاستمتاع بديكوره الفخم الذي لا يزول بريقه.
هنا تبدأ بحق رحلة التعرف إلى بيوغلو. يجذب هذا الحي الحرفيين والكتّاب وأصحاب الرؤى التقدمية الذين يتحدون المألوف في الحياة. ويشتهر بأجوائه البوهيمية، كما يقطنه مغتربون اشتروا منازل في بيوغلو. تخيل المقاهي المنتشرة في الشوارع والأجواء التي تشجع على أسلوب حياة مستقل. وفي عام 2012، اختارت صحيفة الغارديان البريطانية جيهانغير مكاناً مثالياً للعيش في اسطنبول. وقد عاش أورهان باموق، أشهر روائي تركي، في جيهانغير.
في السنوات الأخيرة، اجتذب حي جوقورجوما في بيوغلو، بأجوائه البوهيمية ومحال التحف، مزيداً من المسافرين الراغبين في الابتعاد عن المعالم السياحية التقليدية. أما سكان اسطنبول الذين يحبون تزيين منازلهم بالتحف، فيجدون في جوقورجوما خيارات وفيرة وأكثر من ذلك. اكتشف التحف العثمانية في A La Turca، والملابس القديمة في Pied de Poule، إلى جانب تحف من مختلف أنحاء العالم.
متحف بيرا: يقع هذا المتحف أيضاً في حي تبه باشي في بيوغلو، ويشغل مبنى يعود إلى 1893 يتميز بعمارة استثنائية، لكنها ليست سبب شهرته. يحتضن المتحف لوحة «مدرب السلاحف» للفنان عثمان حمدي بك، أشهر الفنانين العثمانيين. وقد بيعت اللوحة عام 2004 مقابل 3.5 مليون دولار، لتصبح أغلى لوحة في تركيا.
المتحف اليهودي: يفاجأ كثيرون حين يعرفون أن لاسطنبول تاريخاً يهودياً عريقاً، إذ احتضنت جاليات يهودية كبيرة في حي غلطة لأكثر من 100 عام. واليوم، يروي المتحف اليهودي في تركيا قصتهم. ويتعين على الزوار إبراز إثبات الهوية واجتياز إجراءات التفتيش الأمني.
متحف البراءة: ألّف أورهان باموق كتاباً ذائع الصيت بعنوان «متحف البراءة»، ثم افتتح متحفاً يحمل الاسم نفسه. وتروي الرواية والمتحف حكاية عائلتين من اسطنبول، إحداهما من الطبقة الوسطى والأخرى ثرية. ويضم المتحف قطعاً أثرية متنوعة تجسد حياة الشخصيات. (أفضل 8 متاحف في اسطنبول.)
برج غلطة: احرص على زيارة برج غلطة، لكن استعد لطوابير طويلة في الصيف. اصعد على السلم الكهربائي إلى القمة، حيث ستستمتع بإطلالة بانورامية رائعة على اسطنبول. وفي المساء، تقام أمسيات تركية تعرض الرقصات القروية الشهيرة في تركيا وتقدم أطباقاً تركية معروفة.
حمام كيليتش علي باشا: بعد جولات استكشاف المعالم، قد ترغب في بعض الاسترخاء والتدليل، وما من مكان أفضل لذلك من حمام تركي أصيل. افتُتح هذا الحمام التركي للمرة الأولى عام 1580، وكان في الأصل مخصصاً لقوات البحرية العثمانية، لكنه يحظى اليوم بشعبية بين السياح وسكان بيوغلو المحليين.
الشارع الفرنسي: إذا كنت تبحث عن مكان ممتع لاحتساء النبيذ والاستمتاع بأشهى المأكولات على أنغام الموسيقى الحية، فتوجه إلى الشارع الفرنسي المميز في بيوغلو. صحيح أن أجواءه ليست فرنسية تماماً، لكنه ينبض بالحياة في أمسيات الصيف، حين يشيع تناول الطعام في الهواء الطلق، ويستقبل الزوار الراغبين في الاستمتاع بترفيه هادئ في اسطنبول.

كما ترى، تقدم بيوغلو النابضة بالحياة الكثير للسياح ولسكان اسطنبول. ومن الطبيعي أن يؤدي ارتفاع الطلب وقلة المعروض إلى جعل سعر المتر المربع فيها مرتفعاً، ما يجعلها من أغلى مناطق اسطنبول للاستثمار العقاري ويعزز مكانتها أكثر. إذا كنت ترغب في شراء عقار في اسطنبول وترى أن بيوغلو هي الحي المثالي لك، فاتصل بنا اليوم للتحدث إلى أحد الوكلاء وترتيب مواعيد للمعاينة. ويمكنك أيضاً الاطلاع على مجموعة العقارات المعروضة في بيوغلو هنا، ثم استخدام بيانات الاتصال للاستفسار عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف.
قرى مضيق البوسفور: من منطقة بيوغلو الشهيرة في اسطنبول إلى قرى مضيق البوسفور الصغيرة، إليك المزيد من الأماكن التي تستحق أن تضيفها إلى قائمتك لاستكشافها. اكتسبت بعض القرى شهرة عالمية بفضل قصورها العثمانية التاريخية، بينما تجذب قرى أخرى رواد الموضة الذين يحبون الجلوس في المقاهي على جوانب الشوارع. وفي كل الأحوال، تستحق جميعها الزيارة.
اسطنبول الآسيوية: من الرائع زيارة الجانب الأوروبي من اسطنبول، لكن في السنوات الأخيرة، توجه مزيد من المسافرين الدوليين إلى الجانب الآسيوي لاكتشاف أسرار خفية لا يعرفها سوى السكان المحليين. يعرّفك هذا المقال إلى أحياء اسطنبول الآسيوية الشهيرة، وأماكن الإقامة فيها، وأبرز ما يمكن مشاهدته في مناطقها الأقل شهرة.
مبانٍ شهيرة في اسطنبول: تحمل هذه المباني الشهيرة المنتشرة على جانبي اسطنبول الآسيوي والأوروبي حكايات كثيرة. وخلف جدرانها أماكن ساحرة تبرز على خريطة المدينة، وتشكل وجهات مثالية لزيارتها بعد استكشاف بيوغلو في اسطنبول.
