شهد التعاون الاقتصادي بين اليابان وتركيا في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، يتجلى في وجود 257 شركة يابانية تعمل في تركيا، إلى جانب أربع شركات تركية تركت بصمتها في اليابان.
ولا يقتصر هذا التبادل الثنائي على أنشطة الشركات، إذ توجه عدد من المواطنين الأتراك إلى اليابان لتأسيس مطاعم ومشروعات صغيرة، ما أسهم في تعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي الحيوي بين البلدين.

شهد العقدان الماضيان تدفقًا كبيرًا للاستثمارات الأجنبية المباشرة اليابانية إلى تركيا، بلغ إجماليها 3.28 مليار دولار أمريكي. ويعكس هذا الاستثمار المهم تنامي ثقة الشركات اليابانية واهتمامها بالمشهد الاقتصادي في تركيا، كما يسهم في تعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين.
تؤدي وكالة التعاون الدولي اليابانية (جايكا) دورًا محوريًا في هذا التعاون، إذ أسهمت في دعم مشروعات البنية التحتية الكبرى في تركيا. ومن أبرز هذه المشروعات نفق مرمراي، وجسر القرن الذهبي، وجسر مضيق البوسفور الثاني، وسد حسن أوغورلو، وسد ألتنكايا. وكان الدعم المالي والخبرات التي قدمتها الوكالة عاملًا أساسيًا في إنجاز هذه المشروعات بنجاح، ما عزز قدرات تركيا في مجال البنية التحتية وأسهم في تنميتها الاقتصادية.
يتجاوز التعاون الاستراتيجي بين الجهات اليابانية والتركية المعاملات الاقتصادية، فهو يعكس التزامًا بتحقيق النمو المتبادل وتعزيز التفاهم. ومع مواصلة البلدين استكشاف آفاق جديدة للتعاون، تمهد الشركات والمشروعات العديدة المذكورة أعلاه الطريق لمستقبل تتعمق فيه الروابط ويزدهر فيه الرخاء المشترك. وتشكل الشراكة المستمرة بين اليابان وتركيا دليلًا على ما يمكن تحقيقه حين تتضافر جهود الدولتين برؤية مشتركة للتقدم الاقتصادي والتعاون.
على الرغم من عمق العلاقات بين اليابان وتركيا وتنوعها، قد لا يعكس حجم التجارة الحالي البالغ 5 مليارات دولار كامل نطاق التعاون الاقتصادي بينهما. إلا أن وراء ذلك شراكة ديناميكية تستفيد فيها شركات اليابان العالمية استراتيجيًا من تركيا بوصفها مركزًا للإنتاج، وتصدر منها السلع إلى أوروبا، بما يسهم إسهامًا كبيرًا في الازدهار الاقتصادي للبلدين.
تتجلى العلاقات بين اليابان وتركيا في أنشطة شركات اليابان العالمية داخل تركيا. فبإنشاء قواعد إنتاج على الأراضي التركية، لم تعزز هذه الشركات قدراتها التصنيعية فحسب، بل جعلت من تركيا أيضًا بوابة استراتيجية لصادراتها إلى السوق الأوروبية. ويبرز هذا النهج المبتكر أوجه التكامل الاستراتيجي بين البلدين، إذ يستثمر كل منهما نقاط قوته لتحقيق مكاسب مشتركة.
في خطوة مهمة تعكس متانة العلاقات بين البلدين، وُقّع اتفاق تجاري جديد في 2024، تزامنًا مع الذكرى الـ100 للعلاقات الدبلوماسية بين اليابان وتركيا. ومن شأن هذا الاتفاق التاريخي أن يفتح صفحة جديدة من التعاون الاقتصادي، عبر توفير إطار شامل لتوسيع فرص التجارة والاستثمار.
ومن الجوانب اللافتة في تنامي العلاقات عدم وجود قيود على التأشيرات بين البلدين. ولا تقتصر آثار هذه السياسة المنفتحة على تعزيز الروابط التجارية، بل تشجع أيضًا التبادل الثقافي والتواصل بين الشعوب، ما يرسخ أسس العلاقة الراسخة بين اليابان وتركيا. ومع مواصلة البلدين التعامل مع تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي، يشكل الاتفاق التجاري وغياب قيود التأشيرات عاملين محفزين للاستفادة من الإمكانات غير المستغلة.
تهيأت الظروف لتعزيز التعاون الاقتصادي وتنويعه، فيما يستعد الطرفان لجني ثمار جهودهما المشتركة. ويعكس المشهد الاقتصادي المتطور بين اليابان وتركيا متانة شراكتهما وقدرتها على التكيف، ويبشر بمستقبل يحمل مزيدًا من التجارة والازدهار المشترك وتعزيز العلاقات الثنائية.
