في أوائل أكتوبر، تصدّر الرئيس رجب طيب أردوغان عناوين الأخبار بعدما قال إن تركيا «لم تعد بحاجة» إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وجاءت تصريحاته بعد تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في سبتمبر، حين أعلنت أنها ستسعى إلى إنهاء محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
يبدو أن أردوغان لا يأبه بهذه الإهانة. وقال: «السبيل الوحيد أمام الاتحاد الأوروبي لتطبيق مبادرات جديدة هو انضمام تركيا إليه عضواً كاملاً. تركيا مستعدة لدعم هذه المبادرات والمساهمة في مستقبل أوروبا. لكن إذا اختار الاتحاد الأوروبي مساراً آخر، فلا مشكلة في ذلك. لن تخسر تركيا شيئاً، وستواصل السير في طريقها الخاص».
رغم الفتور الواضح في العلاقات مع أوروبا، فإن من الحقائق الواضحة عن تركيا أن هذا البلد الذي يشكّل بوابة بين المناطق، وأوروبا، بحاجة إلى إيجاد سبيل جديد للحفاظ على الشراكة بينهما. فتركيا حليف جيوسياسي رئيسي لأوروبا، وشريك تجاري مهم ومركز للطاقة، لذا فإن الحفاظ على علاقة ما بين الطرفين أمر بالغ الأهمية لمستقبلهما.

تعود مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى عام 1999، لكن تاريخها مع الاتحاد يعود إلى زمن أبعد بكثير، إلى عام 1963، حين وُقّعت معاهدة أنقرة لإقامة شراكة مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وفي عام 2005، بدأت مفاوضات الانضمام أخيراً، وكان الحماس التركي للانضمام إلى أوروبا في ذروته.
وماذا عن موقف الأتراك؟ تشير استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال السنوات القليلة الماضية إلى أن الأتراك ليسوا متحمسين كثيراً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا الفتور مع نجاح إدارة أردوغان في تنويع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع شركاء آخرين، في الشرق الأوسط وروسيا وأفريقيا، والابتعاد عن اعتمادها على أوروبا. ويبدو أن الأتراك يشاركون أردوغان إيمانه بقدرة تركيا على الاعتماد على نفسها.
واجهت تركيا هذا العام بعض العقبات في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي. فقد أدت اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان وزيادة صلاحيات أردوغان إلى تعثر المحادثات، وفي أبريل أوصى البرلمان الأوروبي بتعليقها. ولا يُرجح أن يتغير ذلك في وقت قريب. ومع هذا، لا يمكن إنكار أهمية تركيا لجيرانها الأوروبيين.
تقع تركيا عند ملتقى الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، ويؤكد موقعها الجغرافي مدى أهميتها لأوروبا التي تواجه تحديات إقليمية في الشرق الأوسط.
ترتبط تركيا بعلاقات وثيقة مع العالم العربي، ويُظهر لنا التاريخ أن الاتحاد الأوروبي لن يتمكن من تطوير سياسته الخارجية في الشرق الأوسط أكثر من دون تركيا. وبفضل موقعها الإقليمي وكونها حليفاً لحلف الناتو منذ 70 عاماً، اضطلعت تركيا بدور في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية.
خلال السنوات القليلة الماضية، جعل قرب تركيا من سوريا المجاورة منها طرفاً أساسياً في أحدث صراعات الشرق الأوسط، كما أسهمت في الحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا. ويعيش الآن في تركيا ثلاثة ملايين لاجئ سوري، ويجري دمجهم في المجتمع من دون جدل داخلي يُذكر.

يمنح الموقع الجغرافي لتركيا ميزة أساسية أخرى: فخلال رحلة جوية لا تتجاوز بضع ساعات من اسطنبول، يمكنك الوصول إلى 1.4 مليار شخص، ما يعطي لمحة عن حجم الإمكانات المتاحة للتجارة التركية. ويستحوذ الاتحاد الأوروبي حاليًا على نحو 50 بالمئة من إجمالي تجارة تركيا، بينما تُعد تركيا رابع أكبر شريك تجاري للاتحاد. وبين عامي 2003 و2107، شكّل الاستثمار الأجنبي المباشر من الاتحاد الأوروبي 73 بالمئة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تركيا، بإجمالي يقارب US$100 مليار. ومن الجدير بالذكر أن تراجع مساعي الانضمام لم يكن له أثر يُذكر على مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر، ما يؤكد نمو الاقتصاد التركي المستقل.
تضرر الاقتصاد التركي عقب محاولة الانقلاب التي شهدها العام الماضي، لكنه يسير بخطى جيدة نحو التعافي. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نموًا بنسبة 3.5 بالمئة خلال العامين المقبلين، رغم أن الأرقام التركية الرسمية أعلى. وخلال السنوات العشر الماضية، صُنفت تركيا ضمن فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، وتأمل الحكومة أن تزداد البلاد ازدهارًا، وأن تتجاوز عتبة الدخل المرتفع خلال السنوات الثلاث المقبلة. ومن شأن هذا التحول الكبير في مستوى المعيشة أن يعزز التجارة مع أوروبا، مع تزايد الطلب التركي على السلع والخدمات التي تلائم أنماط حياة الطبقة المتوسطة والعليا.

أصبحت تركيا لاعبًا أساسيًا في تلبية احتياجات أوروبا من الطاقة. وتتحول البلاد بشكل متزايد إلى مركز عبور مهم لإمدادات النفط والغاز الطبيعي، إذ تتيح الوصول إلى أوروبا من آسيا والشرق الأوسط.
النفط: يمر عبر تركيا 5 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، القادم من روسيا والشرق الأوسط وكازاخستان.
الغاز الطبيعي: تُعد أوروبا ثاني أكبر سوق للغاز الطبيعي في العالم، ويمنح موقع تركيا بين أوروبا والاحتياطيات الهائلة في حوض بحر قزوين والشرق الأوسط البلاد دورًا استراتيجيًا في عبور الغاز الطبيعي. ومن المقرر أن يكتمل قريبًا خط أنابيب Turk Stream، الذي سينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا.
يعزز دور تركيا في تشكيل هوية قارة ما وأمنها وسياستها الخارجية مكانتها لدى جيرانها الأوروبيين، ويجعلها رصيدًا مهمًا. وقد لا يكون انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي مطروحًا في الوقت الراهن، لكن أمرًا واحدًا مؤكد: أوروبا بحاجة إلى تركيا أكثر من أي وقت مضى، ما يجعل استمرار العلاقة أمرًا لا مفر منه.