By:
Cameron Deggin
تخيلوا أنكم تدفعون 700 دولار أمريكي شهرياً رسوم صيانة لشقتكم. يعادل ذلك نحو 20,000 ليرة تركية في Istanbul، ويقدم صورة واضحة عن أزمة تكاليف المعيشة التي شهدتها تركيا مؤخراً. أصبحت هذه النفقات الباهظة شائعة بشكل متزايد في أكبر مدن البلاد. وقد تأثرت الحياة في تركيا بارتفاع التضخم منذ جائحة كوفيد-19، ما أدى إلى قفزة كبيرة في أسعار السلع الأساسية والخدمات والسكن.
ورغم أن هذه الزيادة في تكاليف المعيشة تشكل عبئاً على السكان، فإنها تمثل أيضاً نقطة تحول. فبالنسبة إلى المستثمرين الأذكياء، تتيح الاضطرابات الحالية في تركيا فرصاً مستقبلية فريدة، في وقت تسعى فيه الحكومة التركية إلى خفض التضخم واستعادة الاستقرار خلال السنوات المقبلة.

لم يرتفع التضخم في تركيا تدريجياً، بل قفز بصورة حادة. فقد بلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين 85% في أواخر عام 2022، وهو أعلى مستوى له منذ عقود. ومن أسباب ذلك سلسلة من السياسات الاقتصادية الكلية غير التقليدية التي انتهجتها الحكومة بين عامي 2018 و2023، إلى جانب التضخم العالمي الذي أعقب جائحة كوفيد-19.
خلال هذه الفترة، سعت الحكومة بقوة إلى تحقيق النمو عبر خفض أسعار الفائدة حتى مع ارتفاع التضخم، في مخالفة للممارسات الاقتصادية العالمية المتعارف عليها. وكان الهدف من ذلك تحفيز الإنتاج المحلي وتعزيز القدرات التصنيعية من خلال جعل تكاليف الاقتراض منخفضة. ونجحت هذه السياسة في البداية؛ إذ شهدت تركيا 4 إلى 5 سنوات من النشاط الاقتصادي المزدهر، مع ارتفاع أسعار العقارات ووصول أحجام الصادرات إلى مستويات قياسية.
لكن تلك المكاسب جاءت بثمن. فقد أدت الأموال الرخيصة وضعف العملة في نهاية المطاف إلى فرط النشاط الاقتصادي. وبحلول عام 2021، فقدت الليرة التركية 44% من قيمتها خلال عام واحد. وفي أواخر عام 2022، سجلت تركيا أحد أعلى معدلات التضخم في العالم. وشهد السكان ضغطاً على ميزانيات أسرهم مع الارتفاع الحاد في تكاليف السلع الأساسية، بينما واجهت الشركات المحلية ارتفاع الأسعار وتقلب أسعار الصرف. وفي مختلف أنحاء البلاد، ارتفعت رسوم صيانة العقارات والإيجارات وفواتير الخدمات إلى مستويات غير معقولة، ما كشف عن الفجوة بين الاقتصاد التركي ومواطنيه.

بحلول عام 2023، بات من الواضح أن المسار الحالي للاقتصاد التركي غير قابل للاستمرار. وفي مايو 2023، وبعد الانتخابات، غيّرت الحكومة سياستها الاقتصادية بشكل جذري. وعيّن الرئيس Erdoğan فريقاً جديداً ضم وزير الخزانة والمالية Mehmet Şimşek ومحافظة البنك المركزي Hafize Gaye Erkan، والأهم من ذلك، عادت الحكومة إلى السياسات الاقتصادية التقليدية.
بعد الانتخابات، بدأ البنك المركزي فترة تشديد نقدي استمرت 18 شهراً، شملت رفع سعر الفائدة الأساسي من 8.5% إلى 50%. وكان الهدف من هذا الإجراء التقليدي مكافحة التضخم المرتفع في تركيا واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في الأسواق التركية.
وكان الأثر المباشر لذلك تباطؤاً اقتصادياً مؤلماً. فقد قفزت تكاليف الاقتراض، وأصبح الائتمان باهظاً وبعيد المنال عن معظم المواطنين. وأدى ذلك إلى توقف الإنفاق الاستهلاكي وسوق العقارات تقريباً، فيما شهدت تركيا إحدى أبطأ فترات النمو خلال عقود.
واضطرت الشركات التي اعتمدت على القروض الرخيصة والمتاحة إلى تشديد ضبط التكاليف. كما واجه المصدرون الأتراك الذين استفادوا من انخفاض قيمة الليرة ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج أثّر في قدرتهم التنافسية عالمياً. وعلى الرغم من ضرورة هذا العلاج لمكافحة التضخم، فقد ترتبت عليه آثار جانبية، منها أجواء ركود قصيرة الأمد وارتفاع معدلات البطالة وفترة تكيّف صعبة للشركات المحلية.

بحلول أواخر عام 2024، بدأت تركيا ترى ضوءاً في نهاية النفق. ورغم استمرار ارتفاع التضخم، فقد تراجع من ذروته التي تجاوزت 80% في عام 2022 إلى 47% بحلول نوفمبر 2024. وبحلول منتصف عام 2025، تراوح التضخم حول منتصف الثلاثينيات كنسبة مئوية، أي أقل من نصف مستواه في عام 2022.
ويُعد هذا التراجع في التضخم مؤشراً حيوياً على تجاوز أسوأ مراحل اضطراب الأسعار. ومع تزايد الثقة في أن التضخم يسلك مساراً هبوطياً، بدأ البنك المركزي بحذر تخفيف أسعار الفائدة في ديسمبر 2024، وخفّض السعر الأساسي من 50% إلى 47.5%، في أول خفض منذ عامين. ثم خُفّضت الفائدة مجدداً إلى 45% في أوائل عام 2025، ثم إلى 42.5% بعد تراجع التضخم إلى ما دون 40%. ومن المتوقع إجراء تخفيضات تدريجية أخرى ما دام التضخم يواصل التراجع.
بدأ قطاع العقارات، وهو أحد مؤشرات أسواق الأصول والصحة الاقتصادية في تركيا، يستعيد نشاطه. وكان البيع والشراء بطيئَين بين عامي 2023 و2024، إذ واجه المشترون والبائعون صعوبة في الاتفاق على الأسعار وسط اقتصاد غير مستقر. كما حالت معدلات الرهن العقاري المرتفعة دون دخول كثير من الراغبين في الشراء، بمن فيهم المشترون للمرة الأولى، إلى السوق. لكن مع تراجع التضخم وبلوغ أسعار الفائدة ذروتها، يُتوقع أن يظهر الطلب المتراكم في السوق مجدداً، وقد عاد المشترون بالفعل.
كما ارتفعت مبيعات العقارات في تركيا. وتُظهر البيانات أن إجمالي مبيعات المنازل في عام 2024 زاد بنسبة 20.6% مقارنة بعام 2023. وكان ذلك واضحاً بشكل خاص في نهاية العام، عندما عزز خفض الفائدة من الحكومة الثقة في السوق المحلية. وفي ديسمبر 2024 وحده، ارتفعت مبيعات المنازل في تركيا بنسبة 54% مقارنة بالعام السابق، وكان المواطنون الأتراك وراء معظم عمليات الشراء.
يشير ذلك إلى أن المشترين المحليين يعودون الآن إلى السوق مع ظهور «منطقة شراء» تتميز بأسعار أكثر استقراراً وقدرة شرائية أفضل. وقد دفعت تكاليف الاقتراض المرتفعة كثيراً من المشترين إلى تأجيل الشراء. لكن بعد تحول البنك المركزي في سياسته، ارتفعت مبيعات المنازل الممولة بالرهن العقاري بشكل ملحوظ في أواخر عام 2024.
تُظهر قطاعات أخرى من الاقتصاد التركي أيضاً بوادر على المرونة. فبعد عام من الانكماش، يتعافى قطاع التصنيع التركي، مع تحسن قراءات مؤشر مديري المشتريات (PMI) بحلول أواخر عام 2024.
تتعلم الصناعات التركية التكيف وتغيير مسارها. فقد استثمر كثير من المصدرين في تحسين كفاءة عملياتهم على مستوى القطاع، بينما تعلمت الشركات التي تعتمد على المستهلكين العمل بعدد أقل من الموظفين. وبدأ التزام الحكومة بالسياسات التقليدية يعيد الثقة لدى المستثمرين العالميين. وبحلول منتصف عام 2024، أشار الخبراء إلى أن تركيا عادت بالكامل إلى السياسات النقدية والمالية التقليدية، مع تطبيق إصلاحات تعزز ثقة السوق المحلية وتشجع الاستثمار الأجنبي.
ورغم أن الليرة التركية لا تزال ضعيفة مقارنة بقيمتها التاريخية، فقد استقرت بما يجنّبها التقلبات الحادة في الأشهر الأخيرة. كما انتعش سوق الأسهم التركي على وقع الأخبار الإيجابية بشأن التضخم، وأبدى المستثمرون تفاؤلاً حذراً. ويأمل الخبراء الآن أن تكون تركيا قد تجاوزت المرحلة الأصعب، شرط التزامها بسياسات منضبطة.

مع تراجع التضخم واستقرار الليرة التركية، يتطلع كثير من المحللين والقادة والمستثمرين إلى شكل الاقتصاد التركي في السنوات المقبلة. ويأمل الخبراء أن تكون تركيا على أعتاب تعافٍ مستدام بحلول عام 2026، بعد عامين صعبين من التحول نحو الاستقرار على المدى الطويل.
عودة تكاليف المعيشة إلى مستويات طبيعية: أشار الخبراء بالفعل إلى أن زيادات الأجور وتباطؤ التضخم بدآ في تقليص الفجوة بين الدخل المتاح والإنفاق. ومع تعافي الدخل الحقيقي، يُتوقع أن يرتفع الاستهلاك في السوق المحلية، وقد تصبح الحياة اليومية في تركيا قريباً أقرب إلى الأسواق الأكثر تطوراً من حيث الاستقرار. ومن شأن العودة إلى استقرار أسعار المستهلكين أن تجعل التخطيط المالي وتوقعات الأعمال أسهل وأكثر قابلية للتنبؤ للمستثمرين في تركيا، وأن تحد من المخاطر الإجمالية التي دفعت إلى الحذر خلال السنوات القليلة الماضية.
ازدهار عقاري جديد يلوح في الأفق: يترقب المستثمرون في العقارات التركية فترة النمو المقبلة. وإذا تراجعت أسعار الفائدة إلى خانة الآحاد بحلول عام 2026، فمن المتوقع أن تصبح قروض الرهن العقاري طويلة الأجل في متناول المشترين للمرة الأولى والطبقة المتوسطة والأسر الشابة مجدداً، ما سيغذي طلباً كبيراً على السكن. لكن الخبراء يأملون هذه المرة أن تكون موجة الطلب المقبلة أكثر استدامة، ومدعومة بتركيا ذات السكان الشباب المتزايدين في المدن، وبتمويل مناسب يتيح للبنوك تقديم قروض عقارية تصل مدتها إلى 15 عاماً وبأسعار فائدة معقولة.
قطاعا التكنولوجيا والتصنيع التنافسيان: أطلقت الحكومة في عام 2024 حزمة حوافز بقيمة 30 مليار دولار أمريكي لتعزيز الصناعات التقنية. ورُصد من هذا المبلغ 5 مليارات دولار أمريكي لإنتاج السيارات الكهربائية، إلى جانب مليارات أخرى لتصنيع أشباه الموصلات والبطاريات، وإنشاء مصانع الألواح الشمسية، وإنتاج مكونات توربينات الرياح. وتهدف هذه الاستثمارات الاستراتيجية إلى جعل تركيا مركزاً للتصنيع من الجيل التالي، بما في ذلك افتتاح مصنع للسيارات الكهربائية في عام 2026 لإنتاج سيارات للسوق الأوروبية. ويتحول قطاع التصنيع في تركيا من المنسوجات والمعادن الأساسية إلى السيارات والإلكترونيات والطاقة النظيفة.
ارتقاء قطاع السياحة: بلغت إيرادات السياحة 61 مليار دولار أمريكي في عام 2024، بزيادة قدرها 8.3% مقارنة بعام 2023. وقد تعزز الليرة الأقوى والاقتصاد المتوازن جاذبية تركيا. وألمحت الحكومة إلى إطلاق مبادرات لجذب السياح الذين يقيمون فترات أطول وينفقون أكثر، سواء أكان ذلك في منتجع من فئة 5 نجوم في Bodrum أم في عيادة صحية عالمية المستوى في Istanbul. ويشهد قطاع الطيران ازدهاراً، إذ سرعان ما أصبح مطار Istanbul الأكثر ازدحاماً في أوروبا، فيما تنقل الخطوط الجوية التركية أعداداً قياسية من المسافرين إلى وجهات حول العالم انطلاقاً من موقع تركيا الاستراتيجي.

بعد أن شهد الاقتصاد التركي دورة من الازدهار والانكماش على مدى السنوات الخمس الماضية، يقف الآن عند نقطة تحول؛ إذ تتهيأ الظروف لتعافٍ لا يستطيع حتى أكثر المستثمرين حذراً تجاهله.
لا تزال لدى الاقتصاد التركي نقاط قوة أساسية كبيرة، بفضل سكانه الشباب وتنوع قطاعاته. وقد بدأ التحول إلى السياسات التقليدية في منتصف عام 2023 يحقق تحسناً ملموساً:
- التضخم يسلك مساراً هبوطياً.
- أصبحت الليرة التركية أكثر استقراراً.
- تعود ثقة المستثمرين العالميين.
وبطبيعة الحال، لا تزال هناك مخاطر. فالوصول إلى تضخم من خانة الآحاد وتحقيق نمو مستدام ليس أمراً سهلاً، بل يتطلب الالتزام بالسياسات والإصلاحات. وقد تؤدي الأحداث الجيوسياسية الخارجة عن سيطرة تركيا أو الأخطاء في السياسات إلى تأجيل بلوغ الهدف. لكن إذا واصلت تركيا السير على المسار الصحيح واتخاذ الخطوات المناسبة، فستكون الظروف مهيأة لنهضة شاملة بحلول عام 2026.
ويُنصح المهتمون بالاستثمار على المدى الطويل بمتابعة ما تحققه تركيا اليوم. وبالنسبة إلى المستثمرين المستعدين لاتخاذ مخاطرة محسوبة، فقد يكون التراجع الكبير في تركيا تمهيداً لانتعاش كبير مقبل، يتسم بمزيد من الاستقرار ومرحلة نمو مربحة. ووفقاً لوزير الخزانة والمالية التركي، فإن «الهدف هو تجاوز الاضطرابات الاقتصادية والدخول في دورة إيجابية».
تتخلص تركيا من التضخم المفرط وتحول التحديات إلى فرص. على المستثمرين الانتباه إلى ذلك؛ فمسيرة التعافي في تركيا لا تزال في بدايتها، وقد تحمل فصولها المقبلة عوائد مجزية للغاية. تواصلوا مع Property Turkey للحصول على استشارة مجانية من مستشارينا ذوي الخبرة. ويسعدنا الإجابة عن أي أسئلة لديكم حول الاستثمار في مستقبل تركيا الواعد.
